محمد بيومي مهران
59
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
كيف أمكنها التسلل إلى نصوص التوراة . . . لا تفسير إلا أن الأسطورة هنا مستقاة من أصول تداولها أقوام استوطنوا وقتا ما هضاب أرمينيا ، تلك المنطقة الجبلية ، حرية بأن تكون قد أورثتهم عبادة إله ما ، بركاني الصفات والسمات ، يطلقون عليه من بعد - إذ يستقر بهم المقام في أرض كنعان - تحريفا أو تبديلا ، أسماء سامية أو قريبة في مخارجها على الأقل من اللغات السامية ، مثل « أداد » و « شداي » . وإل وه ربما كان هو الاسم العتيق للإله « يهوه » إله القينيين منذ الأزل . . . بل إن بعض الثقات يرجعون أسطورة الطوفان - كما في التوراة - إلى أصول « حورية » من الذين استقروا بأرض فلسطين في عصر إبراهيم ( تك 14 : 6 ) تعثر بنقوشهم متناثرة فيما بين تل الحريري ( ماري القديمة ) ورأس شمرا ( أوجاريت ) ، ولكن أقدمها ، تلك التي في « بوغازكوي » عاصمة الحيثيين القديمة بقلب الأناضول ، اشتملت على مقاطع من ملحمة جلجاميش ، ولغتهم - أو لهجة متفرعة عنها - هي التي كانت سائدة في مملكة « أورارتو Urartu » - أرمينيا القديمة - إليها تنسب جبال « أرارات » أو « أراراط » كما في التوراة « 1 » ، ومع ذلك فإننا نميل إلى أن قصة الطوفان ، كما جاءت في التوراة ، إنما تعتمد في الدرجة الأولى على أساطير طوفانية - سومرية أو بابلية - من العراق القديم ، الأمر الذي سوف نوضحه فيما بعد . ولكن : لعل من الأفضل قبل ذلك ، أن نشير إلى الدور الذي لعبه الخيال اليهودي في العصور المتأخرة بحكاية الطوفان - كما روتها التوراة - فأضافوا إليها تفاصيل جديدة تميل إلى المغالاة أحيانا ، وإلى الزخارف الرخيصة أحيانا أخرى ، وإلى تشويه القصة في غالب الأحايين ، وكأن هؤلاء اليهود لم يكفهم ما فعله أسلاف لهم في عصور خلت من مسخ القصة الحقيقية - كما أنزلها اللّه على كليمه موسى عليه السلام - فخلطوا بينها وبين ما وجدوه في العراق القديم - على أيام السبي البابلي - من قصص عن طوفان يروي السومريون ، والبابليون من بعدهم أنه أغرق أرضهم .
--> ( 1 ) حسين ذو الفقار : المرجع السابق ص 15 ، 16 وكذلك : O . R . Gurney , the Hittites ) Penguin Books ( , 1969 , P . 123 - 124 : وفي الترجمة العربية للدكتور محمد عبد القادر ص 171 ، وكذلك . Andre Caquot , Mythologies Des Semites Occidentaux in Mythologies de la Mediterranee au Gange , paris , 1963 , P . 92 .